علي بن أحمد المهائمي
165
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ [ نوح : 26 ] يدعو عليهم أن يصيروا في بطنها ، المحمّديّ : « لو دلّيتم بحبل لهبط على اللّه ؛ له ما في السّموات وما في الأرض » « 1 » ] . ثم أشار إلى سبب دعاء نوح عليه السّلام لهم بالحيرة المحمودة بقوله : ( فالحائر له الدور ) في سيرة حول الجناب الإلهي ، وذلك أن له ( الحركة الدورية حول القلب ) « 2 » الذي عليه مدار الموجودات ، وهو الحق ( فلا يبرح منه ) لا في حال مشيه ، ولا في حال قيامه ؛ لأنه كلما رد إلى البقاء رأى نور الحق فيرد إلى الفناء ؛ فهو مع الحق دائما بخلاف من لا حيرة له . وهو ( صاحب الطريق المستطيل ) في السير إلى الحق فإنه غلط ؛ لأنه ( مائل ) عن الصراط المستقيم الذي هو رؤية الحق في البداية والنهاية ( خارج عن المقصود ) ؛ لأن المقصود من السير : هو الإحاطة بأسرار الحق وتجلياته في البداية والنهاية ، وهو يقصد أمرا يختص بالنهاية ، ولا يوجد في البداية ؛ فهو ( طالب ما هو فيه ) في البداية لو صدق في طلبه ؛ لكنه ( صاحب خيال ) يتخيل أن بينه ، وبين مقصوده مسافة فصار مقصوده غير مقصوده ( إليه ) أي : إلى ذلك الخيال ( غايته ) فلا يحصل له من الحق إلا الصورة المتخيلة ( فله ) أي : ابتداء سير ( من ) غير الحق ( وإلى ) أي : انتهاء سير إلى ما تخيل من صورة الحق في الغاية ، ( وما بينهما ) من المسافة التي يتوهم أنها مقامات السير إلى اللّه ، ومنازله ( وصاحب الحركة الدورية ) الذي يدور حول الحق في البداية والغاية متحيرا فيه ( لا بدء ) في سيره من غير الحق ( فيلزمه « من » ) أي : ابتداء سير من أمر ليس معه من الحق شيء ، ( ولا غاية ) لسيره ينقطع فيه السير ( فيلزمه « إلى » ) « 3 » أي : انتهاء إلى الحق بحيث ينقطع السير بعده بالكلية مع أنه لا نهاية للسير فيه ، وإذا لم يكن له بداية ونهاية فهو مع الحق أبدا ( فله الوجود الأتم ) لاستنارته بنور الحق في جميع أحواله وصاحب الطريق المستطيل في البداية مع غير الحق فهو في ظلمة من ذلك ، وفي النهاية صاحب خيال فهو في ظلمة الخيال ، ( وهو المؤتي جوامع الكلم ) الدالة على أسرار الموجودات ( والحكم ) أي : العلوم المحكمة التي تتعلق بذات الواجب وصفاته مما لا يتبدل بتبدل الأزمنة والأحوال وإنما أوتي جوامعها ؛ لأن ما يفاض عليه إنما هو من حضرة الجمع . ثم أشار إلى سبب ذلك بما يفهم بطريق الإشارة في حق الكمّل من آية نزلت بطريق العبادة في حق الطغاة منهم ، وهي قوله تعالى : ( مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ [ نوح : 25 ] ) ، أي : من خطيئات هؤلاء الظالمين المصطفين أرباب الحيرة في سيرهم هذا بطريق الإشارة من الخطوة
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 3298 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 370 ) . ( 2 ) في نسخة : « القطب » . ( 3 ) في نسخة : « فتحكم عليه » .